تكريس السرّية المصرفية تحت شعار رفعها

١٧ تشرين الأول ٢٠٢٢   |   الاقتصاد والمالية العامة   |   أزمة لبنان   |   ورقة الموقف مجلس النواب اللبناني.

يجتمع مجلس النواب يوم غد الثلاثاء للتصويت على بعض مواد قانون السريّة المصرفيّة، على ضوء التعديلات التي أجرتها لجنة المال والموازنة عليه، بناءً على طلب رئيس الجمهوريّة بتعديلها، وذلك بعد أنّ رفض صندوق النقد الدولي النسخة السابقة منه. تدّعي لجنة المال والموازنة بأنّها أتمّت واجباتها كاملة واستجابت للتعديلات المطلوبة، لكن ما قامت به فعلياً هو النقيض تماماً. يتبيّن من جراء التدقيق في النسخة المصاغة أنّ هناك نيّة مبطّنة لاعتماد صياغات أكثر تعقيداً، تؤدّي في النهاية إلى تجذير السريّة المصرفيّة تحت شعارات رفعها، وبالتالي الحؤول دون أي محاسبة وتكريس نهج الإفلات من العقاب، كما وتهديد فرص لبنان في إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي.


إنّ رفع السرّية المصرفيّة شرط أساسي لا بل بديهي لـ:

  • المحاسبة

وهي المعركة السياسيّة الأكثر جدّية لوضع حدّ للإفلات من العقاب ووضع الإصلاح على السكّة الصحيحة.

  • تجديد نهج الإدارة الماليّة

لمكافحة التهرّب الضريبي والفساد والجرائم المالية وغير المالية على أنواعها وتحفيز الإلتزام وزيادة الإيرادات؛ مما يساعد على إرساء مبدأ المواطنة الضريبية ضمن عقد إجتماعي جديد قوامه العدالة والمساواة والتضامن.

  • التدقيق بحسابات مصرف لبنان والمصارف

لاستكشاف كلّ الارتكابات السابقة، والكشف عن الحسابات غير المشروعة بما يمهّد لإعادة هيكلة القطاع المصرفي بطريقة عادلة.


مجدّداً، يجري التنصّل من موجب إلغاء السرية المصرفية عبر تفريغ القانون من مضمونه بموجب أساليب التعمية والتعتيم  والتحريف ، لتكريس احتكار هيئة التحقيق الخاصة، التي يرأسها حاكم مصرف لبنان، لصلاحية رفع السرية المصرفية. 


1- المطلوب هو تمكين النيابات العامّة وتعزيز دورها في إطار الاستقصاء عن المعلومات المتعلّقة بالجرائم.

تتجاهل لجنة المال والموازنة أيّ إشارة إلى هذا المطلب، والنتيجة: 

  • عدم تمكين القضاء طلب معلومات إلا في حال وجود دعوى تحقيق، بما يعيق الاستقصاء عن المعلومات أو السعي لتكوينها.
  • تجريد النيابات العامة من الحصول على معلومات تخوّلها مباشرة دعاوى الحق العام في الكثير من الجرائم المالية. 
  • جعل النفاذ إلى الأسرار المصرفية المتصلة بالموظفين العامين مربوطة بالحصول على إذن مسبق بالملاحقة من رئيسهم الإداري.


2- المطلوب هو تمكين القضاء (نيابات عامّة وقضاة تحقيق) طلب المعلومات المصرفية من المصارف مباشرة من دون المرور بأيّ مرجع قضائيّ أو إداريّ آخر.

تتجاهل لجنة المال والموازنة أيّ إشارة إلى هذا المطلب أيضاً، والنتيجة: 

  • ربط صلاحية القضاء في طلب المعلومات المصرفية عبر هيئة التحقيق الخاصة في حالات الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال؛ لا سيما وأنه جرى الإستناد إلى القانونين 175/2020  و189/2020 الذين يلزما الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بالعودة إلى هيئة التحقيق الخاصة لرفع السرية المصرفية ناهيك عن عدم إلغاء القانون رقم 32 الصادر في 16/10/2008 الذي يمنح هذه الأخيرة الحصرية المطلقة. وهذا، ما سوف يؤدي إلى حصول التباس وتناقض يحتم العودة إلى هيئة التحقيق الخاصة كمرجع وحيد.


3- المطلوب هو إضافة لجنة الرقابة على المصارف ومؤسّسة ضمان الودائع ومصرف لبنان إلى الجهات التي يحق لها طلب رفع السرّية والوصول إلى المعلومات المصرفيّة من دون الحاجة إلى وسيط أو حصر طلبها بالتحقيقات الجنائيّة.

لم تعطِ اللجنة صلاحية غير مُقيّدة لرفع السرية، بل ربطت رفع السرية المصرفية بإعادة هيكلة المصارف حصراً و جعل المعلومات المطلوبة عامّة وغير متصلة بحساب أو عميل معيّن. والنتيجة:

  • عدم جواز رفع السرية المصرفية على خلفية شبهة مخالفات مصرفية أو التدقيق في احتمال وجودها،      
  • فقدان الهيئات المذكورة هذه الصلاحية فور الانتهاء من عملية إعادة الهيكلة.
  • اقتراح تمكين الأشخاص المعنيين من الاعتراض أمام القضاء المستعجل مع وضع أن الاعتراض يوقف نفاذ الطلب. 


4-  المطلوب هو ضمان حقّ الإدارة الضريبيّة بالوصول إلى المعلومات المصرفيّة لا لأغراض مكافحة التهرّب الضريبي فحسب، بل أيضاً للقيام بوظائف إداريّة.

تجاهلت اللجنة مرجعية السلطات الضريبية برفع السرية المصرفية، والنتيجة: 

  • ربط صلاحية الإدارة الضريبية بقضايا مكافحة التهرب الضريبي من دون توسيع صلاحياتها لتشمل المعلومات المصرفية والتدقيق فيها للتأكد من الإلتزام الضريبي وحسن تطبيق الموجبات والإلتزامات المنصوص عليها في القوانين الضريبية المرعية الإجراء.


5- المطلوب هو التأكيد على تطبيق المعفول الرجعي على جميع الحسابات والقيود المصرفية السابقة.

لم تردّ اللجنة على مسألة تطبيق المفعول الرجعي بل أفتت باستثناء الموظفين العامين، ورؤساء الجمعيات السياسية، والمرشحين للانتخابات النيابية والبلدية والاختيارية من مبدأ عدم رجعية القوانين     ، وهذا لزوم ما لا يلزم كون معظم هؤلاء مشمولين بأحكام القانون رقم 189 تاريخ 16/10/2020 (التصريح عن الذمة المالية والمصالح ومعاقبة الاثراء غير المشروع)   الذي نص على أن لا يخضع جرم الإثراء غير المشروع لمرور الزمن على الدعاوى العامة وعلى الدعاوى المدنية لمصادرة المال العام وإسترداده؛ والنتيجة: 

  • إبقاء اللغط قائما حول انطباق القانون على القيود والمعلومات المصرفية السابقة له خلافاً للمنطق والمبادئ القانونية.
  • إبقاء السرية المصرفية لأصحاب المصارف ومدرائها محمية 
  • ربط رفع السرية المصرفية عن الموظفين العامين ورؤساء الجمعيات بقوانين الإثراء غير المشروع وتبييض الأموال ومكافحة الفساد في القطاع العام، ما يعني الإحالة مجددا إلى وجوب المرور عبر هيئة التحقيق الخاصة.
  • شمول عوائل رؤساء الجمعيّات السياسيّة وشركاتهم ومصالحهم بتطبيق هذه المادة، من دون أن تنطبق على عوائل الموظفين العامين أو المرشحين لنيل وكالة عامة.


6- المطلوب هو إلغاء عقوبة الحبس عن إفشاء السرية المصرفية والاكتفاء بالغرامة المالية.

أبقت اللجنة على عقوبة الحبس المُترتبة على جرم إفشاء الأسرار المصرفية وإن خفضت الحد الأقصى من سنة إلى 3 أشهر، والنتيجة:

  • -تشكيل عامل رادع ومعطّل للقانون الذي يهدف إلى توسيع حالات الكشف عن المعلومات المصرفية لا التخويف منه.
  • في الخلاصة، يتبيّن أنّ المبرر الوحيد الذي يحول دون رفع السرية المصرفية هو تمسك فئة برفض تحمّل أي مسؤولية عن أفعالها السابقة، والاستمرار في الإفلات من أي عقاب على حساب المجتمع كلّه.

الأساس ليس إصلاح السرية المصرفية فحسب بل إلغاؤها بالكامل لتكون ركيزة مرحلة جديدة من العدالة المبنية على الشفافية والنزاهة والمساءلة والمحاسبة.           


الموقّعون (بحسب التسلسل الأبجدي): 

أزمة لبنان

في حين يواجه لبنان أسوأ أزمة اقتصادية ونقدية ومالية ومصرفية واجتماعية، تسعى منظمة "كلنا إرادة" إلى تعزيز التطور السريع لخطة إنقاذ على أساس مبادئ العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية.

إنضم إلى قائمتنا البريدية