بناء الجمهورية... الرؤية السياسيّة لـ"كلّنا إرادة"​

٤ كانون الأول ٢٠٢١

بلغ لبنان اليوم نقطة اللاعودة، بعد أن جسّدت #انتفاضة 17 تشرين الأول دعوة حقيقيّة لتغييرٍ جذريّ. ترتكز تطلّعات "كلّنا إرادة" حول تحقيق التحوّل السياسي الشامل: من الطائفية والمحسوبية والفساد إلى الحداثة والسيادة. غير أنّ التغيير "المنشود" يختلف عن التغيير "الفعلي". كما أنّه ومع اقتراب موعد الانتخابات النيابيّة، ترى "كلّنا إرادة" أنّ النجاح يتطلّب رؤيةً سياسيةً واضحة.

 

تقوم الاستراتيجيّة السياسيّة لـ"كلّنا إرادة" على مبدأين أساسيّين. أولًا، رفض فكرة حصر لبنان بطوائف "مختلفة" توافقت على التعايش. فقد أثبت النظام البنيوي الحالي للدولة أنّه نظامٌ مصطنعٌ وهشٌّ، يحتاج إلى إعادة التفاوض بشكلٍ دائم – وبطريقةٍ عدائيّة في كثيرٍ من الأحيان. وفي حين أنّ الانتماءات الطائفية حقيقيّة وتدلّ على التنوّع، فإنّنا نؤمن أنّ هناك هوية لبنانيّة قائمة ومشتركة بين معظم المواطنين.


أمّا المبدأ التأسيسي الثاني، فيشدّد على أنّ إعادة بناء الوطن يتطلّب "قيام جمهورية" – تعكس واقع المواطنين، تدافع عن مصالحهم وتثابر على تنمية قدراتهم. وفي هذا الصدد، تحرص "كلّنا إرادة" على لعب دورٍ حيويّ يترجم الأفكار التغييريّة بشكلٍ ملموسٍ، من خلال العمل على الصعد السياسية والدستورية والاقتصادية. يمكن إذًا، اختصار المبادئ السياسية الأساسيّة، التي نلتزم بها، بأسسٍ ثلاثة.


المبدأ الأول هو الالتزام الثابت بـ"سيادة" لبنان. لا يمكن أن تكون السيادة جزئيّة ولا يمكن التسامح مع أيّ وجود عسكري خارج القوات المسلّحة الشرعية. لطالما عُرف لبنان (ويجب أن يبقى كذلك دائمًا) من خلال توجّهاته العالمية وعلاقاته الدولية الواسعة. وعلى لبنان أن يقف على الحياد في ضوء النزاعات الإقليمية، فلا مصلحة له على الإطلاق في الوقوف طرفًا فيها. ولا يجوز قطعًا أن تكون الخيارات الوطنية رهينةً للإملاءات الخارجية.


المبدأ الثاني هو السعي نحو دولةٍ مدنية، لامركزية، حديثة، تقوم على إعادة بناء وتنظيم المؤسّسات، بحيث تستعيد الدولة اللبنانية دورها كدولةٍ حاضنةٍ لجميع المواطنين، تقدّم لهم الدعم والرعاية الاجتماعية وتحقّق التنمية البشرية الحقيقيّة. وفي هذا السياق، فإنّنا نلحظ هنا أهميّة قيام دولة بعيدًا عن الاعتبارات الطائفية (على المستويات كافّة) أو، على الأقل، حصرها بمجلسٍ تشريعيّ منفصل.

 

المبدأ الثالث هو اعتماد نظامٍ اقتصادي يرتكز على تحقيق النمو المستدام والعدالة الاجتماعية. ونرى هنا أنّ الاقتصاد الليبرالي المرتكز على القطاع الخاص والانخراط في العولمة، يُعدّ النظام الأنسب لخصوصيّة لبنان. لكن "كلّنا إرادة"، تؤكّد كذلك أنّ الليبرالية غير المنتظمة تتعارض مع ترسيخ التماسك وتحقيق العدالة الاجتماعية. فالأولويّات الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم وشبكات الأمان الاجتماعي والحفاظ على الموارد الوطنية والمساحات العامّة، ليست تفصيلًا، إنّما هي حقوقٌ مُلزِمة.


بناء الجسور


"كلّنا إرادة" ليست حزبًا سياسيًّا (ولن يترشّح أيّ من أعضائها للانتخابات النيابيّة المقبلة)، غير أنّها تحرص أشدّ الحرص على تعزيز وتمكين مجموعة من اللبنانيّين (المقيمين والمغتربين)، الذين ينشدون الإصلاحات الجديّة، ويتطلّعون نحو خلق زخمٍ للتغيير، والتخاطب مع المجتمع الدولي، بما يخدم مصلحة لبنان.


 

إذًا، مع مَن نعمل؟ ترتكز انطلاقتنا المحوريّة من رفضنا المطلق لكلّ القوى السياسية الحاكمة، التي اتّخذت من الطائفية والفساد والمحسوبيّات الخبيثة، نهجًا لإدارة البلاد. فهُم جميعًا مسؤولون، وبشكلٍ مباشر، عن الانهيار والمعاناة التي نعيشها اليوم. لذلك، فإنّ هدفنا الجوهريّ يكمن بإبعاد هؤلاء السياسيّين عن سدّة الحكم، من خلال ممارسة كلّ السبل الديمقراطية (الانتخابات بشكلٍ أساسيّ، وليس حصريًّا). يجب أن يلتزم شركاؤنا، من الأفراد والمجموعات السياسية، بمبادئنا السياسية الأساسيّة (المذكورة أعلاه)، كما بالوقوف بوجه منظومة المحاصصة التي يمكن تسميتها بـ"مجموعة الستة" وملحقاتها.

 

علاوة على ذلك، فإنّ النزاهة معيارٌ أساسيٌّ. وفي هذا الصدّد، اشترطت "كلّنا إرادة"، سواء على أعضائها أو على الشخصيات السياسية التي تعمل معها وتدعمها، الالتزام بمعايير صارمة. يجب أن يكون شركاؤنا بعيدين كلّ البُعد عن أيّ شبهة من الشبهات، إنْ على المستوى المالي أو السياسي أو الشخصي. لكنّ النزاهة وحدها لا تكفي. لذلك، فإنّنا نعمل مع المجموعات والأفراد الذين يقدّرون قيمة العمل الجماعي ويؤمنون بالآليات الديمقراطية في عمليّة صنع القرار، وبالتالي بضرورة تحقيق المكاسب الجماعية وانتفاء المصالح الشخصيّة، عملًا بتكريس وترسيخ الهدف الشامل، المتمثّل في تحقيق التغيير المنشود.

 

الانتخابات النيابية المقبلة


تشدّد "كلّنا إرادة" على أنّ الانتخابات النيابية المقبلة تشكّل محطّةً مفصليّةً ضمن سياق مسارٍ انتقاليّ طويل الأمد، تواظب عبره على العمل بشكلٍ جديّ مع شركائها، من أجل تحقيق نتائج مجدية في الانتخابات.


تبذل "كلّنا إرادة" جهودًا متعدّدة الجوانب في الشأن الانتخابي. فقد تمحورت أولويّتنا مؤخّرًا حول حثّ اللبنانيّين المغتربين على التسجيل بكثافة للاقتراع. بدءًا من اليوم ولغاية موعد الانتخابات، سترتكز جهودنا على دعم نخبةٍ جديدة من القادة والجماعات السياسية المنبثقة من انتفاضة 17 تشرين الأول، وبالتالي رفدهم بالمعطيات والتوجّهات والدعم اللازم. سنسعى كذلك إلى تعزيز فرص الفوز من خلال لعب دور الوساطة والدعوة إلى الحوار، ما يساهم في تشكيل تحالفاتٍ متينة ضمن مختلف الدوائر الانتخابيّة، مع الحفاظ على أسس التماسك الوطني. وخلال اليوم الانتخابي، سنعمل جاهدين على زيادة إقبال الناخبين، خصوصًا أولئك الذين امتنعوا عن التصويت في الانتخابات السابقة. بالطبع، فإنّ عملنا لن ينتهي يوم الانتخابات، حيث أنّ "كلّنا إرادة" ستواصل دعوة النواب الذين يتشاركون المفاهيم الإصلاحية، إلى العمل كائتلافٍ موحّد.


تخلّلت الأشهر الأخيرة نقاشاتٌ حول الاستراتيجيّة المُثلى للانتخابات، من منطلق إمّا المضي بائتلافٍ مختلطٍ شاملٍ، يضمّ بدوره الشخصيات السياسية "التقليدية" التي هي جزءٌ من المعارضة، أو أنّ الأفضل المضي بتشكيل تحالفاتٍ أصغر إنّما أكثر تجانسًا. دورنا الجوهريّ هنا، هو بالمساهمة في تسوية الخلافات ولعب دورٍ فاعلٍ كميّسرٍ/ كوسيطٍ، تمامًا كما احترام مواقف الجهات المعنيّة كافّة. ونرى أنه من الأفضل، قدر الإمكان، تشكيل لائحة موحّدة من المعارضة (في كلّ دائرة من الدوائر الانتخابية الـ15)، تتكون نواتها من أكبر عددٍ ممكن من القياديّين الجُدد. نؤمن أنّ صيغة الوحدة أثبتت فعاليّتها عبر التاريخ ومؤخّرًا، في الانتخابات النقابية. في هذا الصدد، نعمل مع شركائنا للارتقاء بمستوى النقاش، عبر محورين: أولًا، المساهمة في صياغة رؤيةٍ سياسيّةٍ تعكس الروحيّة الحقيقيّة لـ17 تشرين الأول؛ ثانيًا، استخدام البيانات والتحليلات، لتعزيز فرص الفوز في الانتخابات.

  

انطلقت "كلّنا إرادة" منذ ستّ سنوات، بهدف توحيد الجهود وتنظيم العمل وخلق قوّةٍ ضاغطة مؤثّرة – عملًا بتحقيق الهدف الأسمى المتمثّل في بناء جمهورية جديدة. وفي وقتٍ، أثبتت فيه انتفاضة 17 تشرين الأول، أنّ التغيير مطلوبٌ بالفعل من قبل الغالبية العظمى من الشعب، إلا أنّه يبقى على اللبنانيّين أن يثبتوا قدرتهم على العمل معًا، بكلّ ثقة ومصداقيّة، بما يتيح لهم المضي قُدمًا.


في سياقٍ متّصل، ومن أجل توحيد الجهود الوطنية كما وتفعيل دورنا وتحقيق رؤيتنا المشتركة، قرّر المجلسان التنفيذيّان لـ"كلّنا إرادة" و"نحو الوطن"، العمل بشكلٍ وثيقٍ وكفريقٍ واحدٍ، بحيث انضمّ أعضاء "نحو الوطن" إلى مجلس إدارة "كلّنا إرادة". لقد باتت منظّمتنا اليوم تمثّل قوّةً حقيقية للتغيير، فهي تضمّ فريق عملٍ كبير، أضف إلى الموارد المتنوّعة والقدرات المتميّزة، كما والآليات المتطوّرة لمتابعة سير الانتخابات وحثّ المغتربين على الاقتراع.


"كلّنا إرادة"، منظمة قائمة على العضويّة. كلّ عضو هو فردٌ يمثّل نفسه حصرًا. لا أحد يمثّل مؤسّساتٍ خارجية أو جهاتٍ حكوميّة أو أيّ حزبٍ سياسيّ. وقد ذكرنا سابقًا، التزام جميع الأعضاء بعدم الترشّح لخوض الانتخابات.


تموّل "كلّنا إرادة" نفسها بالكامل من خلال الرسوم السنوية للأعضاء. لا نتلقّى أيّ تمويل من أيّ منظمةٍ أو مؤسّسةٍ أو بلدٍ أجنبي. تُستخدم الميزانية لدعم مهامنا ومبادئنا. وقد أطلقنا مؤخّرًا جهودًا موازية لجمع التبرّعات تستهدف المغتربين اللبنانيّين، وهي محصورة فقط بالانتخابات النيابية المقبلة. تمامًا كما هي حال رسوم العضوية، سيتمّ جمع التبرّعات حصرًا من الأفراد الذين لا يتلقّون أيّ تمويل مؤسّسي أو سياسي أو حكومي. جديرٌ بالذكر، أنّه لن يتمّ استخدام هذه التبرّعات للتأثير على عمليّة اختيار المرشّحين/ات. كما أنّه وبمجرّد إعداد قوائم الانتخابات، ستبادر "كلّنا إرادة" إلى صرف المبالغ المذكورة، وفق آلية شفّافة تعطي الأولوية لتمكين المجموعات الناشئة والمرشّحين/ات الجُدد من خلال  الورش التدريبيّة وآليات الاقتراع وإعداد البيانات والإعلانات.


في الخلاصة. يواجه لبنان لحظةً مصيريّة عنوانها "انتهاز الفرصة"، ونحن بصدد اغتنامها. فالانتخابات النيابية المقبلة تقدّم فرصةً تاريخية لطرح قيادةٍ وأفكارٍ جديدة. غير أنّ المشاريع الانتقاليّة، كالمشروع الذي نسعى إليه، ليست سهلة المنال. نشهد حاليًّا نقاشًا غنيًّا مثمرًا بين قوى التغيير حول الأفق المستقبليّة. في حين أنّ هذه القوى قد لا تتفق على كلّ التفاصيل، إلا أنّها تتشارك هدفًا واحدًا: "العمل من أجل جمهورية لبنانية حديثة". من هنا، فإنّ الدور المحوري لـ"كلّنا إرادة" يقوم على توحيد الجهود وتوفير الدعم اللازم والعمل مع الجيل الجديد من القادة من أجل تحقيق هذا الطموح.


تم نشر المقال في "النهار" هنا وهو متوفر في اللغة الفرنسية هنا

إنضم إلى قائمتنا البريدية